فصل: باب تسجية الميت والرخصة في تقبيله

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار **


 كتاب الجنائز

هي جمع جنازة بكسر الجيم وفتحها قال ابن قتيبة وجماعة والكسر أفصح وحكى صاحب المطالع أنه يقال بالفتح للميت وبالكسر للنعش عليه الميت ويقال عكس ذلك انتهى‏.‏

والجنازة مشتقة من جنز إذا ستر قاله ابن فارس وغيره والمضارع يجنز بكسر النون قاله النووي‏.‏ والجنائز بفتح الجيم لا غير قاله النووي والحافظ وغيرهما‏.‏

 باب عيادة المريض

1- عن أبي هريرة‏:‏ ‏(‏أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم قال‏:‏ حق المسلم على المسلم خمس رد السلام وعيادة المريض وإتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس‏)‏‏.‏

متفق عليه‏.‏

2- وعن ثوبان قال‏:‏ ‏(‏قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم أن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في مخرفة الجنة حتى يرجع‏)‏‏.‏

رواه أحمد ومسلم والترمذي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏خمس‏)‏ في رواية لمسلم‏:‏ ‏(‏حق المسلم على المسلم ست‏)‏ وزاد‏:‏ ‏(‏وإذا استنصحك فانصح له‏)‏ وفي رواية للبخاري من حديث البراء‏:‏ ‏(‏أمرنا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم بسبع‏)‏ وذكر الخمس المذكورة في حديث الباب وزاد‏:‏ ‏(‏ونصر المظلوم وإبرار القسم‏)‏ والمراد بقوله ‏(‏حق المسلم‏)‏ أنه لا ينبغي تركه ويكون فعله إما واجبًا أو مندوبًا ندبًا مؤكدًا شبيهًا بالواجب الذي لا ينبغي تركه ويكون استعماله في المعنيين من باب استعمال المشترك في معنييه فإن الحق يستعمل في معنى الواجب كذا ذكره ابن الأعرابي وكذا يستعمل في معنى الثابت ومعنى اللازم ومعنى الصدق وغير ذلك‏.‏ وقال ابن بطال‏:‏ المراد بالحق هنا الحرمة والصحبة‏.‏ وقال الحافظ‏:‏ الظاهر أن المراد به هنا وجوب الكفاية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏رد السلام‏)‏ فيه دليل على مشروعية رد السلام ونقل ابن عبد البر الإجماع على أن ابتداء السلام سنة وأن رده فرض وصفة الرد أن يقول وعليكم السلام ورحمة اللَّه وبركاته وهذه الصفة أكمل وأفضل فلو حذف الواو جاز وكان تاركًا للأفضل وكذا لو اقتصر على وعليكم السلام بالواو أو بدونها أجزأه فلو اقتصر على وعليكم لم يجزه بلا خلاف ولو قال وعليكم بالواو ففي إجزائه وجهان لأصحاب الشافعي‏.‏ وظاهر قوله ‏(‏حق المسلم‏)‏ أنه لا يرد على الكافر‏.‏

وأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال‏:‏ ‏(‏قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم‏)‏‏.‏

وفي الصحيحين عن أنس‏:‏ ‏(‏أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم قال‏:‏ إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم‏)‏ وأخرج البخاري نحوه من حديث ابن عمر وقد قطع الأكثر بأنه لا يجوز ابتداؤهم بالسلام وفي الصحيحين عن أسامة‏:‏ ‏(‏أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم مر على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين فسلم عليهم‏)‏‏.‏

وفي الصحيحين أيضًا‏:‏ ‏(‏أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم كتب إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وعيادة المريض‏)‏ فيه دلالة على شرعية عيادة المريض وهي مشروعة بالإجماع وجزم البخاري بوجوبها فقال باب وجوب عيادة المريض‏.‏ قال ابن بطال‏:‏ يحتمل أن يكون الوجوب للكفاية كإطعام الجائع وفك الأسير ويحتمل أن يكون الوارد فيها محمولًا على الندب وجزم الداودي بالأول وقال الجمهور بالندب وقد تصل إلى الوجوب في حق بعض دون بعض وعن الطبري تتأكد في حق من ترجى بركته وتسن فيمن يراعي حاله وتباح فيما عدا ذلك وفي الكافر خلاف ونقل النووي الإجماع على عدم الوجوب‏.‏

قال الحافظ‏:‏ يعني على الأعيان وعامة في كل مرض‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وإتباع الجنائز‏)‏ فيه أن إتباعها مشروع وهو سنة بالإجماع واختلف في وجوبه وسيأتي الكلام عليه إن شاء اللَّه تعالى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وإجابة الدعوة‏)‏ فيه مشروعية إجابة الدعوة وهي أعم من الوليمة وسيأتي الكلام على ذلك في كتاب الوليمة إن شاء اللَّه تعالى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وتشميت العاطس‏)‏ التشميت بالسين المهملة والمعجمة لغتان مشهورتان‏.‏ قال الأزهري‏:‏ قال الليث التسميت ذكر اللَّه تعالى على كل شيء ومنه قولك للعاطس يرحمك اللَّه‏.‏ وقال ثعلب‏:‏ الأصل فيه المهملة فقلبت معجمة‏.‏ وقال صاحب المحكم‏:‏ تسميت العاطس معناه الدعاء له بالهداية إلى السمت الحسن‏.‏ وفيه دليل على مشروعية تسميت العاطس وهو أن يقول له يرحمك اللَّه‏.‏

وأخرج أبو داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة‏:‏ ‏(‏عن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم أنه قال‏:‏ إذا عطس أحدكم فليقل الحمد للَّه على كل حال وليقل أخوه أو صاحبه يرحمك اللَّه ويقول هو يهديكم اللَّه ويصلح بالكم‏)‏‏.‏

وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال‏:‏ ‏(‏قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ إذا عطس أحدكم فليقل الحمد للَّه وليقل أخوه أو صاحبه يرحمك اللَّه فإذا قال يرحمك اللَّه فليقل له يهديكم اللَّه ويصلح بالكم‏)‏‏.‏

وأخرج مالك في الموطأ عن ابن عمر قال‏:‏ ‏(‏إذا عطس أحدكم فقيل له يرحمك اللَّه يقول يرحمنا اللَّه وإياكم ويغفر لنا وإياكم‏)‏‏.‏

والتسميت سنة على الكفاية ولو قال بعض الحاضرين أجزأ عن الباقين ولكن الأفضل أن يقول كل واحد لما في البخاري عن أبي هريرة‏:‏ ‏(‏أن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم قال‏:‏ إذا عطس أحدكم وحمد اللَّه كان حقًا على كل مسلم سمعه أن يقول يرحمك اللَّه تعالى‏)‏ وقال أهل الظاهر‏:‏ إنه يلزم كل واحد وبه قال ابن أبي مريم واختاره ابن العربي والتسميت إنما يكون مشروعًا للعاطس إذا حمد اللَّه كما في حديث أبي هريرة المذكور‏.‏

وفي الصحيحين عن أنس قال‏:‏ ‏(‏عطس رجلان عند النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم فسمت أحدهما ولم يسمت الآخر فقال الذي لم يسمته فلان عطس فسمته وعطست فلم تسمتني فقال هذا حمد اللَّه وأنت لم تحمد اللَّه‏)‏‏.‏

وفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري قال‏:‏ ‏(‏سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم يقول‏:‏ إذا عطس أحدكم فحمد اللَّه فشمتوه فإن لم يحمد اللَّه فلا تشمتوه‏)‏ وإذا تكرر العطاس فهل يشرع تكرير التسميت أو لا فيه خلاف‏.‏

وقد أخرج ابن السني بإسناد فيه من لم يتحقق حاله عن أبي هريرة قال‏:‏ ‏(‏سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم يقول‏:‏ إذا عطس أحدكم فليسمته جليسه وإن زاد على ثلاث فهو مزكوم ولا يسمت بعد ثلاث‏)‏‏.‏

وفي مسلم عن سلمة بن الأكوع‏:‏ ‏(‏أنه قال له النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم في الثانية إنك مزكوم‏)‏ وأخرج أبو داود والترمذي من حديث سلمة أنه قال له في الثالثة يرحمك اللَّه هذا رجل مزكوم‏.‏

وأخرج أبو داود والترمذي أيضًا عن عبيد بن رفاعة قال‏:‏ ‏(‏قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ تسميت العاطس ثلاثًا فإن زاد فإن شئت سمته وإن شئت فلا‏)‏ ولكنه حديث ضعيف قال الترمذي‏:‏ إسناده مجهول‏.‏

قال ابن العربي‏:‏ ومعنى قوله إنك مزكوم أي إنك لست ممن يسمت بعد هذا لأن هذا الذي بك زكام ومرض لا خفة العطاس ولكنه يدعى له بدعاء المسلم للمسلم بالعافية والسلامة ولا يكون من باب التسميت‏.‏

والسنة للعاطس أن يضع ثوبه أو يده على فيه عند العطاس لما أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال‏:‏ ‏(‏كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم إذا عطس وضع ثوبه أو يده على فيه وخفض أو غض بها صوته‏)‏ وحسنه الترمذي‏.‏

ويكره رفع الصوت بالعطاس لما أخرجه ابن السني عن عبد اللَّه بن الزبير قال‏:‏ ‏(‏قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ إن اللَّه عز وجل يكره رفع الصوت بالتثاؤب والعطاس‏)‏‏.‏

وأخرج أيضًا عن أم سلمة قالت‏:‏ ‏(‏سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم يقول‏:‏ التثاؤب الرفيع والعطسة الشديدة من الشيطان‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لم يزل في مخرفة الجنة‏)‏ بالخاء المعجمة على زنة مرحلة وهي البستان ويطلق على الطريق اللاحب أي الواضح‏.‏ ولفظ الترمذي‏:‏ ‏(‏لم يزل في خرفة الجنة‏)‏ والخرف بالضم المخترف والمجتني أفاده صاحب القاموس‏.‏

3- وعن علي رضي اللَّه عنه قال‏:‏ ‏(‏سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم يقول‏:‏ إذا عاد المسلم أخاه مشى في خرافة الجنة حتى يجلس فإذا جلس غمرته الرحمة فإن كان غدوة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي وإن كان مساء صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح‏)‏‏.‏

رواه أحمد وابن ماجه‏.‏ وللترمذي وأبي داود نحوه‏.‏

4- وعن أنس قال‏:‏ ‏(‏كان النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم لا يعود مريضا إلا بعد ثلاث‏)‏‏.‏

رواه ابن ماجه‏.‏

5- وعن زيد بن أرقم قال‏:‏ ‏(‏عادني رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم من وجع كان بعيني‏)‏‏.‏

رواه أحمد وأبو داود‏.‏

حديث علي قال أبو داود‏:‏ إنه أسند عن علي من غير وجه صحيح وقال الترمذي‏:‏ إنه حسن غريب‏.‏ وقال أبو بكر البزار‏:‏ هذا الحديث رواه أبو معاوية عن الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى‏.‏ ورواه شعبة عن الحكم عن عبد اللَّه عن نافع وهذا اللفظ لا يعلم رواه إلا علي‏.‏ وقد روي عن علي من غير وجه وحديث أنس في إسناده مسلم بن علي وهو متروك وحديث زيد بن أرقم سكت عنه أبو داود والمنذري وأخرجه أيضًا البخاري في الأدب المفرد وصححه الحاكم ـ وفي الباب ـ عن أبي موسى عند البخاري قال‏:‏ ‏(‏قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ عودوا المريض وأطعموا الجائع وفكوا العاني‏)‏ وعن جابر عند البخاري وأبي داود قال‏:‏ ‏(‏كان النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم يعودني ليس براكب بغل ولا برذون‏)‏ وعن أنس غير حديث الباب عند أبي داود قال‏:‏ ‏(‏قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ من توضأ فأحسن الوضوء وعاد أخاه المسلم محتسبًا بوعد من جهنم مسير سبعين خريفًا‏)‏ وفي إسناده الفضل بن دلهم‏.‏ قال يحيى بن معين‏:‏ ضعيف الحديث وقال أحمد‏:‏ لا يحفظ‏.‏ وقال مرة‏:‏ ليس به باس‏.‏ وقال ابن حبان‏:‏ كان ممن يخطئ فلا يفحش خطؤه حتى يبطل الاحتجاج به ولا أقتفي أثر العدول فيسلك به سنتهم فهو غير محتج به إذا انفرد‏.‏ وعن عائشة عند البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي قال‏:‏ ‏(‏لما أصيب سعد بن معاذ يوم الخندق ضرب عليه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب‏)‏ وعن عائشة بنت سعد عن أبيها قال‏:‏ ‏(‏اشتكيت فجاءني رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم يعودني ووضع يده على جبهتي ثم مسح صدري وبطني ثم قال اللَّهم اشف سعدًا وأتمم له هجرته‏)‏ أخرجه البخاري وأبو داود‏.‏ وعن البراء أشار إليه الترمذي‏.‏ وعن أبي هريرة عند الترمذي وابن ماجه بلفظ‏:‏ ‏(‏من عاد مريضًا نادى مناد من السماء طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلًا‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من خرافة‏)‏ بزنة كناسة المخترف والمجتني كذا قال في القاموس قال في الفتح‏:‏ خرفة بضم المعجمة وسكون الراء بعدها فاء هي الثمرة وقيل المراد بها هنا الطريق‏.‏ والمعنى أن العائد يمشي في طريق يؤديه إلى الجنة والتفسير الأول أولى فقد أخرجه البخاري في الأدب من هذا الوجه وفيه‏:‏ قلت لأبي قلابة ما خرفة الجنة قال جناها‏.‏ وهو عند مسلم من جملة المرفوع‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إلا بعد ثلاث‏)‏ يدل على أن زيارة المريض إنما تشرع بعد مضي ثلاثة أيام من ابتداء مرضه فتقيد به مطلقات الأحاديث الواردة في الزيارة ولكنه غير صحيح ولا حسن كما عرفت فلا يصلح لذلك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من وجع كان بعيني‏)‏ فيه أن وجع العين من الأمراض التي تشرع لها الزيارة فيرد بالحديث على من لم يقل باستحباب زيارة من كان مرضه الرمد ونحوه من الأمراض الخفيفة ‏.‏

وأحاديث الباب تدل على تأكد مشروعية زيارة المريض وقد تقدم الخلاف في حكمها ويستحب الدعاء للمريض وقد ورد في صفته أحاديث منها حديث عائشة بنت سعد المتقدم‏.‏ ومنها حديث ابن عباس عند أبي داود والنسائي والترمذي وحسنه عن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏من عاد مريضًا لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات أسال اللَّه العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلا عافاه اللَّه من ذلك المرض‏)‏ وفي إسناده يزيد بن عبد الرحمن أبو خالد المعروف بالدالاني وقد وثقه أبو حاتم وتكلم فيه غير واحد‏.‏ ومنها حديث عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص عند أبي داود قال‏:‏ ‏(‏قال النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ إذا جاء الرجل يعود مريضًا فليقل اللَّهم اشف عبدك ينكأ لك عدوًا أو يمشي لك إلى جنازة‏)‏‏.‏

 باب من كان آخر قوله لا إله إلا اللَّه وتلقين المحتضر وتوجيهه وتغميض الميت والقراءة عنده

1- عن معاذ قال‏:‏ ‏(‏سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم يقول‏:‏ من كان آخر قوله لا إله إلا اللَّه دخل الجنة‏)‏‏.‏

رواه أحمد وأبو داود‏.‏

الحديث أخرجه أيضًا الحاكم وفي إسناده صالح ابن أبي غريب‏.‏ قال ابن القطان‏:‏ لا يعرف وأعل الحديث به وتعقب بأنه روى عنه جماعة وذكره ابن حبان في الثقات وقد عزا هذا الحديث ابن معن إلى الصحيحين فغلط فإنه ليس فيهما والذي فيهما لم يقيد بالموت ولكنه روى مسلم من حديث عثمان‏:‏ ‏(‏من مات وهو يعلم أن لا إله إلا اللَّه دخل الجنة‏)‏ ـ وفي الباب ـ عن أبي سعيد وأبي هريرة عند الطبراني بلفظ‏:‏ ‏(‏من قال عند موته لا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر ولا حول ولا قوة إلا باللَّه لا تطعمه النار أبدًا‏)‏ وفي إسناده جابر بن يحيى الحضرمي‏.‏ وأخرج النسائي نحوه عن أبي هريرة وحده‏.‏ وأخرج مسلم من حديث أبي ذر قال‏:‏ ‏(‏قال النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ ما من عبد قال لا إله إلا اللَّه ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة‏)‏ وأخرج الحاكم عن عمر مرفوعًا‏:‏ ‏(‏إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقًا من قلبه فيموت على ذلك إلا حرم على النار لا إله إلا اللَّه‏)‏ ـ وفي الباب أيضًا ـ عن طلحة وعبادة وعمر عند أبي نعيم في الحلية‏.‏ وعن ابن مسعود عند الخطيب مثل حديث الباب‏.‏ وعن حذيفة عنده أيضًا بنحوه‏.‏ وعن جابر وابن عمر عند الدارقطني في العلل بنحوه أيضًا والحديث فيه دليل على نجاة من كان آخر قوله لا إله إلا اللَّه من النار واستحقاقه لدخول الجنة وقد وردت أحاديث صحيحة في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة أن مجرد قوله لا إله إلا اللَّه من موجبات دخول الجنة من غير تقييد بحال الموت فبالأولى أن توجب ذلك إذا قالها في وقت لا تتعقبه معصية‏.‏

2- وعن أبي سعيد عن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم قال‏:‏ ‏(‏لقنوا موتاكم لا إله إلا اللَّه‏)‏‏.‏

رواه الجماعة إلا البخاري‏.‏

ـ وفي الباب ـ عن أبي هريرة عند مسلم بمثل حديث أبي سعيد ورواه ابن حبان عنه وزاد‏:‏ ‏(‏فإنه من كان آخر كلامه لا إله إلا اللَّه دخل الجنة يوما من الدهر وان أصابه ما أصابه قبل ذلك‏)‏ وعنه أيضًا حديث آخر بلفظ‏:‏ ‏(‏إذا ثقلت مرضاكم فلا تملوهم قول لا إله إلا اللَّه ولكن لقنوهم فإنه لم يختم به لمنافق قط‏)‏ وفي إسناده محمد بن الفضل ابن عطية وهو متروك‏.‏ وعن عائشة عند النسائي بنحو حديث الباب‏.‏ وعن عبد اللَّه ابن جعفر عند ابن ماجه وزاد‏:‏ ‏(‏الحليم الكريم سبحان اللَّه رب العرش العظيم الحمد للَّه رب العالمين‏)‏ وعن جابر عند الطبراني في الدعاء والعقيلي في الضعفاء وفيه عبد اللَّه بن مجاهد وهو متروك‏.‏ وعن عروة بن مسعود الثقفي عند العقيلي بإسناد ضعيف‏.‏ وعن حذيفة عند ابن أبي الدنيا وزاد‏:‏ ‏(‏فإنها تهدم ما قبلها من الخطايا‏)‏ وعن ابن عباس عند الطبراني‏.‏ وعن ابن مسعود عنده أيضًا‏.‏ وعن عطاء بن السائب عن أبيه عن جده عنده أيضًا‏.‏ قال العقيلي‏:‏ روي في الباب أحاديث صحاح عن غير واحد من الصحابة‏.‏ وروي فيه أيضًا عن عمر وعثمان وابن مسعود وأنس وغيرهم هكذا في التلخيص‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لقنوا موتاكم‏)‏ قال النووي‏:‏ أي من حضره الموت والمراد ذكروه لا إله إلا اللَّه لتكون آخر كلامه كما في الحديث‏:‏ ‏(‏من كان آخر كلامه لا إله إلا اللَّه دخل الجنة‏)‏ والأمر بهذا التلقين أمر ندب وأجمع العلماء على هذا التلقين وكرهوا الإكثار عليه والموالاة لئلا يضجره لضيق حاله وشدة كربه فيكره ذلك بقلبه أو يتكلم بكلام لا يليق قالوا وإذا قاله مرة لا يكرر عليه إلا أن يتكلم بعده بكلام آخر فيعاد التعريض له به ليكون آخر كلامه‏.‏ ويتضمن الحديث الحضور عند المحتضر لتذكيره وتأنيسه وإغماض عينيه والقيام بحقوقه وهذا مجمع عليه اهـ كلام النووي ولكنه ينبغي أن ينظر ما القرينة الصارفة للأمر عن الوجوب‏.‏

3- وعن عبيد بن عمير عن أبيه وكانت له صحبة‏:‏ ‏(‏أن رجلا قال‏:‏ يا رسول اللَّه ما الكبائر قال‏:‏ هي سبع فذكر منها واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياءً وأمواتًا‏)‏‏.‏

رواه أبو داود‏.‏

الحديث أخرجه أيضًا النسائي والحاكم ولفظه عند أبي داود والنسائي‏:‏ ‏(‏أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم قال وقد سأله رجل عن الكبائر فقال‏:‏ هن تسع الشرك والسحر وقتل النفس وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات وعقوق الوالدين واستحلال البيت‏)‏ الحديث‏.‏

ـ وفي الباب ـ عن ابن عمر عند البغوي في الجعديات بنحو حديث الباب ومداره على أيوب بن عتبة وهو ضعيف وقد اختلف عليه فيه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال هي سبع‏)‏ بتقديم السين هكذا وقع في نسخ الكتاب الصحيحة التي وقفنا عليها والصواب تسع بتقديم التاء الفوقية‏.‏

والحديث استدل به على مشروعية توجيه المحتضر إلى القبلة لقوله واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياءً وأمواتًا‏.‏ وفي الاستدلال به على ذلك نظر لأن المراد بقوله أحياءً عند الصلاة وأمواتًا في اللحد والمحتضر حي غير مصل فلا يتناوله الحديث وإلا لزم وجوب التوجه إلى القبلة على كل حي وعدم اختصاصه بحال الصلاة وهو خلاف الإجماع‏.‏ والأولى الاستدلال لمشروعية التوجيه بما رواه الحاكم والبيهقي عن أبي قتادة‏:‏ ‏(‏أن البراء بن معرور أوصى أن يوجه للقبلة إذا احتضر فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ أصاب الفطرة‏)‏ وقد ذكر هذا الحديث في التلخيص وسكت عنه‏.‏ وقد اختلف في صفة التوجيه إلى القبلة فقال الهادي والناصر والشافعي في أحد قوليه‏:‏ إنه يوجه مستلقيًا ليستقبلها بكل وجهه‏.‏ وقال المؤيد باللَّه وأبو حنيفة والإمام يحيى والشافعي في أحد قوليه‏:‏ إنه يوجه على جنبه الأيمن وروي عن الإمام يحيى أنه قال‏:‏ الأمران جائزان والأولى أن يوجه على جنبه الأيمن لما أخرجه ابن عدي في الكامل ولم يضعفه من حديث البراء بلفظ‏:‏ ‏(‏إذا أخذ أحدكم مضجعه فليتوسد يمينه‏)‏ الحديث‏.‏ أخرجه البيهقي في الدعوات بإسناد قال الحافظ حسن‏.‏ وأصل الحديث في الصحيحين بلفظ‏:‏ ‏(‏إذا أويت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل اللَّهم إني أسلمت نفسي إليك‏)‏ وفي آخره‏:‏ ‏(‏فان مت من ليلتك فأنت على الفطرة‏)‏ ـ وفي الباب ـ عن عبد اللَّه بن زيد عند النسائي والترمذي وأحمد بلفظ‏:‏ ‏(‏كان إذا نام وضع يده اليمنى تحت خده‏)‏ وعن ابن مسعود عند النسائي والتزمذي وابن ماجه‏.‏ وعن حفصة عند أبي داود‏.‏ وعن سلمى أم أبي رافع عند أحمد في المسند بلفظ‏:‏ ‏(‏أن فاطمة بنت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم عند موتها استقبلت القبلة ثم توسدت يمينها‏)‏ وعن حذيفة عند الترمذي‏.‏ وعن أبي قتادة عند الحاكم والبيهقي بلفظ‏:‏ ‏(‏كان إذا عرس وعليه ليل توسد يمينه‏)‏ وأصله في مسلم‏.‏ ووجه الاستدلال بأحاديث توسد اليمين عند النوم على استحباب أن يكون المحتضر عند الموت كذلك أن النوم مظنة للموت وللإشارة بقوله صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ ‏(‏فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة‏)‏ بعد قوله‏:‏ ‏(‏ثم اضطجع على شقك الأيمن‏)‏ فإنه يظهر منها أنه ينبغي أن يكون المحتضر على تلك الهيئة‏.‏

4- وعن شداد بن أوس قال‏:‏ ‏(‏قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر فإن البصر يتبع الروح وقولوا خيرًا فإنه يؤمن على ما قال أهل الميت‏)‏‏.‏

رواه أحمد وابن ماجه‏.‏

الحديث أخرجه أيضًا الحاكم والطبراني في الأوسط والبزار وفي إسناده قزعة بن سويد‏.‏ قال في التقريب‏:‏ قزعة بفتح القاف والزاي والعين قال في الخلاصة‏:‏ قال أبو حاتم‏:‏ محله الصدق ليس بذاك القوي‏.‏ ـ وفي الباب ـ عن أم سلمة قالت‏:‏ ‏(‏دخل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال‏:‏ إن الروح إذا قبض تبعه البصر‏)‏ أخرجه مسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فإن البصر يتبع الروح‏)‏ قال النووي‏:‏ معناه إذا خرج الروح من الجسد تبعه البصر ناظرًا أين يذهب قال‏:‏ وفي الروح لغتان التذكير والتأنيث قال‏:‏ وفيه دليل لمذهب أصحابنا المتكلمين ومن وافقهم أن الروح أجسام لطيفة متخللة في البدن وتذهب الحياة عن الجسد بذهابها وليس عرضًا كما قاله آخرون ولا دمًا كما قاله آخرون وفيها كلام متشعب للمتكلمين اهـ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقولوا خيرًا‏)‏ الخ هذا في صحيح مسلم من حديث أم سلمة بلفظ‏:‏ ‏(‏لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون‏)‏ والحديث فيه الندب إلى قول الخير حينئذ من الدعاء والاستغفار له وطلب اللطف به والتخفيف عنه ونحوه وحضور الملائكة حينئذ وتأمينهم‏.‏ وفيه أن تغميض الميت عند موته مشروع‏.‏ قال النووي‏:‏ وأجمع المسلمون على ذلك قالوا‏:‏ والحكمة فيه أن لا يقبح منظره لو ترك إغماضه‏.‏

5- وعن معقل بن يسار قال‏:‏ ‏(‏قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ اقرؤوا يس على موتاكم‏)‏‏.‏

رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد ولفظه‏:‏ ‏(‏يس قلب القرآن لا يقرؤها رجل يريد اللَّه والدار والآخرة إلا غفر له واقرؤوها على موتاكم‏)‏‏.‏

الحديث أخرجه أيضًا النسائي وابن حبان وصححه وأعله ابن القطان بالاضطراب وبالوقف وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه المذكورين في السند‏.‏ وقال الدارقطني‏:‏ هذا حديث ضعيف الإسناد مجهول المتن ولا يصح في الباب حديث‏.‏ قال أحمد في مسنده‏:‏ حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان قال‏:‏ كانت المشيخة يقولون إذا قرئت يعني يس لميت خفف عنه بها وأسنده صاحب مسند الفردوس من طريق مروان بن سالم عن صفوان بن عمر وعن شريح عن أبي الدرداء وأبي ذر قالا‏:‏ ‏(‏قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ ما من ميت يموت فيقرأ عنده يس إلا هون اللَّه عليه‏)‏ ـ وفي الباب ـ عن أبي ذر وحده أخرجه أبو الشيخ في فضل القرآن هكذا في التلخيص‏.‏ قال ابن حبان في صحيحه‏:‏ قوله ‏(‏اقرؤوا على موتاكم يس‏)‏ أراد به من حضرته المنية لا أن الميت يقرأ عليه وكذلك‏:‏ ‏(‏لقنوا موتاكم لا إله إلا اللَّه‏)‏ ورده المحب الطبري في القراءة وسلم له في التلقين اهـ واللفظ نص في الأموات وتناوله للحي المحتضر مجاز فلا يصار إليه إلا لقرينة‏.‏

 باب المبادرة إلى تجهيز الميت وقضاء دينه

1- عن الحصين بن وحوح ‏(‏أن طلحة بن البراء مرض فأتاه النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم يعوده فقال‏:‏ إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت فأذنوني به وعجلوا فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهري أهله‏)‏‏.‏

رواه أبو داود ‏.‏

الحديث سكت عنه أبو داود وقال المنذري‏:‏ قال أبو القاسم البغوي‏:‏ ولا أعلم روى هذا الحديث غير سعيد بن عثمان البلوي وهو غريب اهـ‏.‏ وقد وثق سعيد المذكور ابن حبان ولكن في إسناد هذا الحديث عروة ابن سعيد الأنصاري ويقال عزرة عن أبيه وهو وأبوه مجهولان‏.‏ ـ وفي الباب ـ عن علي‏:‏ ‏(‏أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم قال‏:‏ ثلاث يا علي لا يؤخرن الصلاة إذا آنت والجنازة إذا حضرت والأيم إذا وجدت كفؤًا‏)‏ أخرجه أحمد وهذا لفظه والترمذي بهذا اللفظ ولكنه قال لا تؤخرها مكان قوله لا يؤخرهن وقال‏:‏ هذا حديث غريب وما أرى إسناده بمتصل وأخرجه أيضًا ابن ماجه والحاكم وابن حبان وغيرهم وإعلال الترمذي له بعدم الاتصال لأنه من طريق عمر بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب قيل ولم يسمع منه وقد قال أبو حاتم‏:‏ إنه سمع منه فاتصل إسناده وقد أعله الترمذي أيضًا بجهالة سعيد بن عبد اللَّه الجهني ولكنه عده ابن حبان في الثقات‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن الحصين بن وحوح‏)‏ هو أنصاري وله صحبة ووحوح بفتح الواو وسكون الحاء المهملة وبعدها واو مفتوحة وحاء مهملة أيضًا‏.‏ وطلحة بن البراء أنصاري له صحبة‏.‏

والحديث يدل على مشروعية التعجيل بالميت والإسراع في تجهيزه وتشهد له أحاديث الإسراع بالجنازة وستأتي‏.‏

2- وعن أبي هريرة ‏(‏عن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم قال‏:‏ نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه‏)‏‏.‏

رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وقال‏:‏ حديث حسن‏.‏

الحديث رجال إسناده ثقات إلا عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن وهو صدوق يخطئ‏.‏ فيه الحث للورثة على قضاء دين الميت والإخبار لهم بأن نفسه معلقة بدينه حتى يقضى عنه وهذا مقيد بمن له مال يقضى منه دينه وأما من لا مال له ومات عازمًا على القضاء فقد ورد في الأحاديث ما يدل على أن اللَّه تعالى يقضي عنه بل ثبت أن مجرد محبة المديون عند موته للقضاء موجبة لتولي اللَّه سبحانه لقضاء دينه وإن كان له مال ولم يقض منه الورثة أخرجه الطبراني عن أبي أمامة مرفوعًا‏:‏ ‏(‏من دان بدين في نفسه وفاؤه تجاوز اللَّه عنه وأرضى غريمه بما شاء ومن دان بدين وليس في نفسه وفاؤه ومات اقتص اللَّه لغريمه منه يوم القيامة‏)‏ وأخرج أيضًا من حديث ابن عمر‏:‏ ‏(‏الدين دينان فمن مات وهو ينوي قضاؤه فأنا وليه ومن مات ولا ينوي قضاءه فذلك الذي يؤخذ من حسناته ليس يومئذ دينار ولا درهم‏)‏ وأخرج أيضًا من حديث عبد الرحمن ابن أبي بكر‏:‏ ‏(‏يؤتى بصاحب الدين يوم القيامة فيقول اللَّه فيم أتلفت أموال الناس فيقول يا رب إنك تعلم أنه أتى على إما حرق وإما غرق فيقول فإني سأقضي عنك اليوم فيقضي عنه‏)‏ وأخرج أحمد وأبو نعيم في الحلية والبزار والطبراني بلفظ‏:‏ ‏(‏يدعى بصاحب الدين يوم القيامة حتى يوقف بين يدي اللَّه عز وجل فيقول يا ابن آدم فيم أخذت هذا الدين وفيم ضيعت حقوق الناس فيقول يا رب إنك تعلم أني أخذته فلم أكل ولم أشرب ولم أضيع ولكن أتى على يدي إما حرق وإما سرق وإما وضيعة فيقول اللَّه صدق عبدي وأنا أحق من قضى عنك فيدعو اللَّه بشيء فيضعه في كفة ميزانه فترجح حسناته على سيئاته فيدخل الجنة بفضل رحمته‏)‏ وأخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم قال‏:‏ ‏(‏من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى اللَّه عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه اللَّه‏)‏ وأخرج ابن ماجه وابن حبان والحاكم من حديث ميمونة‏:‏ ‏(‏ما من مسلم يدان دينًا يعلم اللَّه أنه يريد أداؤه إلا أدى اللَّه عنه في الدنيا والآخرة‏)‏ وأخرج الحاكم بلفظ‏:‏ ‏(‏من تداين بدين في نفسه وفاؤه ثم مات تجاوز اللَّه عنه وأرضى غريمه بما شاء‏)‏ وقد ورد أيضًا ما يدل على أن من مات من المسلمين مديونًا فدينه على من إليه ولاية أمور المسلمين يقضيه عنه من بيت مالهم وإن كان له مال كان لورثته أخرج البخاري من حديث أبي هريرة‏:‏ ‏(‏ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والأخرة اقرؤوا إن شئتم ‏{‏النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم‏}‏ فأيما مؤمن مات وترك مالًا فليرثه عصبته من كانوا ومن ترك دينًا أو ضياعًا فليأتني فأنا مولاه‏)‏ وأخرج نحوه أحمد وأبو داود والنسائي وأخرج أحمد وأبو يعلى من حديث أنس‏:‏ ‏(‏من ترك مالًا فلأهله ومن ترك دينًا فعلى اللَّه وعلى رسوله‏)‏ وأخرج ابن ماجه من حديث عائشة‏:‏ ‏(‏من حمل من أمتي دينًا فجهد في قضائه فمات قبل أن يقضيه فأنا وليه‏)‏ وأخرج ابن سعد من حديث جابر يرفعه‏:‏ ‏(‏أحسن الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة من مات فترك مالًا فلأهله ومن ترك دينًا أو ضياعًا فإليَّ وعليَّ‏)‏ وأخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه في حديث آخر‏:‏ ‏(‏من ترك مالًا فلأهله ومن ترك دينًا أو ضياعًا فإليَّ وعليَّ وأنا أولى بالمؤمنين‏)‏ وفي معنى ذلك عدة أحاديث ثبتت عنه صلى اللَّه عليه وآله وسلم أنه قالها بعد أن كان يمتنع من الصلاة على المديون فلما فتح اللَّه عليه البلاد وكثرت الأموال صلى على من مات مديونًا وقضى عنه وذلك مشعر بأن من مات مديونًا استحق أن يقضى عنه دينه من بيت مال المسلمين وهو أحد المصارف الثمانية فلا يسقط حقه بالموت ودعوى من ادعى اختصاصه صلى اللَّه عليه وآله وسلم بذلك ساقطة وقياس الدلالة ينفي هذه الدعوى في مثل قوله صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ ‏(‏وأنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه‏)‏ أخرجه أحمد وابن ماجه وسعيد بن منصور والبيهقي وهم لا يقولون أن ميراث من لا وارث له مختص برسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم وقد أخرج الطبراني من حديث سلمان ما يدل على انتفاء هذه الخصوصية المدعاة ولفظه‏:‏ ‏(‏من ترك مالًا فلورثته ومن ترك دينًا فعلي وعلى الولاة من بعدي من بيت المال‏)‏‏.‏

 

باب تسجية الميت والرخصة في تقبيله

1- عن عائشة‏:‏ ‏(‏أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم حين توفى سجى ببرد حبرة‏)‏‏.‏

متفق عليه‏.‏

2- وعن عائشة‏:‏ ‏(‏أن أبا بكر دخل فبصر برسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم وهو مسجى ببرده فكشف عن وجهه وأكب عليه فقبله‏)‏‏.‏

رواه أحمد والبخاري والنسائي‏.‏

3- وعن عائشة وابن عباس‏:‏ ‏(‏أن أبا بكر قبل النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم بعد موته‏)‏‏.‏

رواه البخاري والنسائي وابن ماجه‏.‏

4- وعن عائشة قالت‏:‏ ‏(‏قبل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم عثمان بن مظعون وهو ميت حتى رأيت الدموع تسيل على وجهه‏)‏‏.‏

رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه‏.‏

حديث عائشة الرابع في إسناده عاصم بن عبيد اللَّه بن عمر بن الخطاب وهو ضعيف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏سجى‏)‏ بضم السين وبعدها جيم مشددة مكسورة أي غطى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حبرة‏)‏ بكسر الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة بعدها راء مهملة وهي ثوب فيه أعلام وهي ضرب من برود اليمن وفيه استحباب تسجية الميت‏.‏ قال النووي‏:‏ وهو مجمع عليه وحكمته صيانته من الانكشاف وستر عورته المتغيرة عن الأعين‏.‏ قال أصحاب الشافعي‏:‏ ويلف طرف الثوب المسجى به تحت رأسه وطرفه الآخر تحت رجليه لئلا ينكشف منه قال‏:‏ وتكون التسجية بعد نزع ثيابه التي توفى فيها لئلا يتغير بدنه بسببها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فقبله‏)‏ فيه جواز تقبيل الميت تعظيمًا وتبركًا لأنه لم ينقل أنه أنكر أحد من الصحابة على أبي بكر فكان إجماعًا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قبل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم عثمان‏)‏ فيه دلالة على جواز تقبيل الميت كما تقدم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حتى رأيت الدموع‏)‏ الخ فيه جواز البكاء على الميت وسيأتي تحقيقه‏.‏

 أبواب غسل الميت

 باب من يليه ورفقه به وستره عليه

1- عن عائشة قالت‏:‏ ‏(‏قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ من غسل ميتًا فأدى فيه الأمانة ولم يفش عليه ما يكون منه عند ذلك خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وقال‏:‏ ليله أقربكم إن كان يعلم فإن لم يكن يعلم فمن ترون عنده حظًا من ورع وأمانة‏)‏‏.‏

رواه أحمد‏.‏

2- وعن عائشة‏:‏ ‏(‏أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم قال‏:‏ إن كسر عظم الميت مثل كسر عظمه حيًا‏)‏‏.‏

رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه‏.‏

3- وعن ابن عمر‏:‏ ‏(‏أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم قال‏:‏ من ستر مسلمًا ستره اللَّه يوم القيامة‏)‏‏.‏

متفق عليه‏.‏

4- عن أُبيِّ بن كعب‏:‏ ‏(‏أن آدم عليه السلام قبضته الملائكة وغسلوه وكفنوه وحنطوه وحفروا له وألحدوا وصلوا عليه ثم دخلوا قبره فوضعوه في قبره ووضعوا عليه اللبن ثم خرجوا من القبر ثم حثوا عليه التراب ثم قالوا يا بني آدم هذه سنتكم‏)‏‏.‏

رواه عبد اللَّه بن أحمد في المسند‏.‏

حديث عائشة الأول أخرجه الطبراني في الأوسط وفي إسناده جابر الجعفي وفيه كلام كثير وحديث عائشة الثاني رجاله رجال الصحيح على كلام في سعد بن سعيد الأنصاري‏.‏ وحديث أُبيِّ بن كعب أخرجه الحاكم في المستدرك وقال‏:‏ صحيح الإسناد ولم يخرجاه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فأدى فيه الأمانة ولم يفش عليه ما يكون منه عند ذلك‏)‏ المراد بتأدية الأمانة إما كتم ما يرى منه مما يكرهه الناس ويكون قوله ولم يفش عطفًا تفسيريًا أو يكون المراد بتأدية الأمانة أن يغسل الغسل الذي وردت به الشريعة لأن العلم عند حامله أمانة واستعماله في مواضعه من تأديتها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ليله أقربكم‏)‏ فيه أن الأحق بغسل الميت من الناس الأقرب إلى الميت بشرط أن يكون عالمًا بما يحتاج إليه من العلم وقد قال بتقديم القريب على غيره الإمام يحيى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فمن ترون عنده حظًا من ورع وأمانة‏)‏ فيه دليل لما ذهبت إليه الهادوية من اشتراط العدالة في الغاسل وخالفهم الجمهور فإن صح هذا الحديث فذاك وإلا فالظاهر عدم اختصاص هذه القربة بمن ليس فاسقًا لأنه مكلف بالتكاليف الشرعية وغسل الميت من جملتها وإلا لزم عدم صحة كل تكليف شرعي منه وهو خلاف الإجماع ودعوى صحة بعضها دون بعض بغير دليل تحكم‏.‏ وقد حكى المهدي في البحر الإجماع على أن غسل الميت واجب على الكفاية‏.‏ وكذلك حكى الإجماع النووي وناقش دعوى الإجماع صاحب ضوء النهار مناقشة واهية حاصلها أنه لا مستند له إلا أحاديث الفعل وهي لا تفيد الوجوب وأحاديث الأمر بغسل الذي وقصته ناقته والأمر بغسل ابنته صلى اللَّه عليه وآله وسلم والأمر مختلف في كونه للوجوب أو للندب ورد كلامه بأنه إن ثبت الإجماع على الوجوب فلا يضر جهل المستند ويراد أيضًا بأن الاختلاف في كون الأمر للوجوب لا يستلزم الاختلاف في كل مأمور به لأنه ربما شهدت لبعض الأوامر قرائن يستفاد منها وجوبه وهذا مما لا يخالف فيه القائل بأن الأمر ليس للوجوب لأن محل الخلاف الأمر المجرد كما تقرر في الأصول نعم قال في الفتح‏:‏ وقد نقل النووي الإجماع على أن غسل الميت فرض كفاية وهو ذهول شديد فإن الخلاف مشهور جدًا عند المالكية على أن القرطبي رجح في شرح مسلم أنه سنة ولكن الجمهور على وجوبه وقد رد ابن العربي على من لم يقل بذلك وقال‏:‏ قد توارد به القول والعمل انتهى‏.‏ وهكذا فليكن التعقب لدعوى الإجماع‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إن كسر عظم الميت‏)‏ الخ فيه دليل على وجوب الرفق بالميت في غسله وتكفينه وحمله وغير ذلك لأن تشبيه كسر عظمه بكسر عظم الحي إن كان في الإثم فلا شك في التحريم وإن كان في التألم فكما يحرم تأليم الحي يحرم تأليم الميت وقد زاد ابن ماجه من حديث أم سلمة لفظ ‏(‏في الإثم‏)‏ فيتعين الاحتمال الأول‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من ستر مسلمًا ستره اللَّه يوم القيامة‏)‏ فيه الترغيب في ستر عورات المسلم وظاهره عدم الفرق بين الحي والميت فيدخل في عمومه ستر ما يراه الغاسل ونحوه من الميت وكراهة إفشائه والتحدث به وأيضًا قد صح أن الغيبة هي ذكرك لأخيك بما يكره ولا فرق بين الأخ الحي والميت ولا شك أن الميت يكره أن يذكر بشيء من عيوبه التي تظهر حال موته فيكون على هذا ذكرها محرمًا وسيأتي بقية الكلام على هذا في باب الكف عن ذكر مساوئ الأموات‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وعن أُبيِّ بن كعب أن آدم‏)‏ الخ سيأتي الكلام في تفاصيل ما اشتمل عليه حديث أُبيِّ بن كعب هذا في أبوابه من هذا الكتاب‏.‏

 باب ما جاء في غسل أحد الزوجين للآخر

1- عن عائشة قالت‏:‏ ‏(‏رجع إليَّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعًا في رأسي وأقول وارأساه فقال‏:‏ بل أنا وارأساه ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك‏)‏‏.‏

رواه أحمد وابن ماجه‏.‏

2- وعن عائشة أنها كانت تقول‏:‏ ‏(‏لو استقبلت من الأمر ما استدبرت ما غسل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم إلا نساؤه‏)‏‏.‏

رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه‏.‏ وقد ذكرنا أن الصديق أوصى أسماء زوجته أن تغسله فغسلته‏.‏

حديث عائشة الأول أخرجه أيضًا الدارمي وابن حبان والدارقطني والبيهقي وفي إسناده محمد بن إسحاق وبه أعله البيهقي‏.‏ قال الحافظ‏:‏ ولم ينفرد به بل تابعه عليه صالح بن كيسان عند أحمد والنسائي‏.‏ وأما ابن الجوزي فقال‏:‏ لم يقل غسلتك إلا ابن إسحاق وأصل الحديث عند البخاري بلفظ‏:‏ ‏(‏ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك‏)‏ وأثرها الثاني سكت عنه أبو داود والمنذري ورجاله ثقات إلا ابن إسحاق وقد عنعن‏.‏ وغسل أسماء لأبي بكر الذي أشار إليه المصنف قد تقدم في باب الغسل من غسل الميت من أبواب الغسل وليس فيه إن ذلك كان بوصية من أبي بكر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فغسلتك‏)‏ فيه دليل على أن المرأة يغسلها زوجها إذا ماتت وهي تغسله قياسًا وبغسل أسماء لأبي بكر كما تقدم وعلي لفاطمة كما أخرجه الشافعي والدارقطني وأبو نعيم والبيهقي بإسناد حسن ولم يقع من سائر الصحابة إنكار على علي وأسماء فكان إجماعًا‏.‏ وقد ذهب إلى ذلك العترة والشافعية والأوزاعي وإسحاق والجمهور‏.‏ وقال أحمد‏:‏ لا تغسله لبطلان النكاح ويجوز العكس عنده كالجمهور‏.‏ وقال أبو حنيفة وأصحابه والشعبي والثوري‏:‏ لا يجوز أن يغسلها لمثل ما ذكر أحمد ويجوز العكس عندهم كالجمهور قالوا لأنه لا عدة عليه بخلافها‏.‏ ويجاب عن المذهبين الآخرين بأنه إذا سلم ارتفاع حل الاستمتاع بالموت وأنه العلة في جواز نظر الفرج فغايته تحريم نظر الفرج فيجب ستره عند غسل أحدهما للآخر وقد قيل إن النظر إلى الفرج وغيره لازم من لوازم العقد فلا يرتفع بارتفاع جواز الاستمتاع المرتفع بالموت والأصل بقاء حل النظر على ما كان عليه قبل الموت‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لو استقبلت من الأمر‏)‏ الخ قيل فيه أيضًا متمسك لمذهب الجمهور ولكنه لا يدل على عدم جواز غسل الجنس لجنسه مع وجود الزوجة ولا على أنها أولى من الرجال لأنه قول صحابية ولا حجة فيه وقد تولى غسله صلى اللَّه عليه وآله وسلم علي والفضل بن العباس وأسامة بن زيد يناول الماء والعباس واقف‏.‏ قال ابن دحية‏:‏ لم يختلف في أن الذين غسلوه صلى اللَّه عليه وآله وسلم علي والفضل واختلف في العباس وأسامة وقثم وشقران انتهى‏.‏ وقد استوفى صاحب التلخيص الطرق في ذلك ولم ينقل إلينا أن أحدًا من الصحابة أنكر ذلك فكان إجماعًا منهم‏.‏ وروى البزار من طريق يزيد بن بلال قال‏:‏ ‏(‏قال علي‏:‏ أوصى النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم أن لا يغسله أحد غيري‏)‏ وروى ابن المنذر عن أبي بكر أنه أمرهم أن يغسل النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم بنو أبيه وخرج من عندهم‏.‏

 باب ترك غسل الشهيد وما جاء فيه إذا كان جنبًا

1- عن جابر قال‏:‏ ‏(‏كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أُحد في الثوب الواحد ثم يقول أيهم أكثر أخذًا للقرآن فإذا أُشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم‏)‏‏.‏

رواه البخاري والنسائي وابن ماجه والترمذي وصححه‏.‏ ولأحمد‏:‏ ‏(‏أن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم قال في قتلى أُحد‏:‏ لا تغسلوهم فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكًا يوم القيامة ولم يصل عليهم‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يجمع بين الرجلين‏)‏ الخ فيه جواز جمع الرجلين في كفن واحد عند الحاجة إلى ذلك والظاهر أنه كان يجمعهما في ثوب واحد‏.‏ وقيل كان يقطع الثوب بينهما نصفين‏.‏ وقيل المراد بالثوب القبر مجازًا ويرده ما وقع في رواية عن جابر فكفن أبي وعمي في نمرة واحدة‏.‏ وقد ترجم البخاري على هذا الحديث باب دفن الرجلين والثلاثة في قبر واحد وأورده مختصرًا بلفظ‏:‏ ‏(‏كان يجمع بين الرجلين من قتلى أُحد‏)‏ وليس فيه تصريح بالدفن‏.‏ قال ابن رشيد‏:‏ إنه جرى على عادته من الإشارة إلى ما ليس على شرطه أو اكتفى بالقياس يعني على جمعهم في ثوب واحد انتهى‏.‏ ولا يخفى أن قوله في هذا الحديث قدمه في اللحد يدل على الجمع بين الرجلين فصاعدًا في الدفن‏.‏ وقد أورد الحديث البخاري باللفظ الذي ذكره المصنف في باب الصلاة على الشهيد فلعل البخاري أشار بما أورده مختصرًا إلى هذا لا إلى ما ليس على شرطه ولا سيما مع اتصال باب دفن الرجلين والثلاثة بباب الصلاة على الشهيد بلا فاصل وقد ثبت عند عبد الرزاق بلفظ‏:‏ ‏(‏وكان يدفن الرجلين والثلاثة في القبر الواحد‏)‏ وورد ذكره الثلاثة أيضًا في هذه القصة عند الترمذي وغيره‏.‏ وروى أصحاب السنن من حديث هشام بن عامر الأنصاري‏:‏ ‏(‏أن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم أمر الأنصار أن يجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر‏)‏ وصححه الترمذي‏.‏ قال في الفتح‏:‏ ويؤخذ من هذا جواز دفن المرأتين في قبر واحد وأما دفن الرجل مع المرأة فروى عبد الرزاق بإسناد حسن عن واثلة بن الأسقع أنه كان يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد فيقدم الرجل ويجعل المرأة وراءه وكأنه كان يجعل بينهما حاجزًا لا سيما إذا كانا أجنبيين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أيهم أكثر أخذًا للقرآن‏)‏ فيه استحباب تقديم من كان أكثر قرآنًا ومثله سائر أنواع الفضائل قياسا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولم يغسلوا‏)‏ فيه دليل على أن الشهيد لا يغسل وبه قال الأكثر وسيأتي الكلام في بيان ماهية الشهيد الذي وقع الخلاف في غسله في الصلاة على الشهيد‏.‏ وقال سعيد بن المسيب والحسن البصري حكاه عنهما ابن المنذر وابن أبي شيبة‏:‏ إنه يغسل وبه قال ابن سريج من الشافعية والحق ما قاله الأولون والاعتذار عن حديث الباب بأن الترك إنما كان لكثرة القتلى وضيق الحال مردود بعلة الترك المنصوصة كما في رواية أحمد المتقدمة وهي رواية لا مطعن فيها‏.‏

ـ وفي الباب ـ أحاديث منها عن أنس عند أحمد والحاكم وأبي داود والترمذي وقال‏:‏ غريب‏.‏ وغلط بعض المتأخرين فقال‏:‏ وحسنه ‏(‏أن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم لم يصل على قتلى أُحد ولم يغسلهم‏)‏ وعن جابر حديث آخر غير حديث الباب عند أبي داود قال‏:‏ ‏(‏رمى رجل بسهم في صدره أو في حلقه فمات فأدرج في ثيابه كما هو ونحن مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏)‏ وإسناده على شرط مسلم‏.‏ وعن ابن عباس عند أبي داود وابن ماجه قال‏:‏ ‏(‏أمر النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم بقتلى أُحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم‏)‏ وفي إسناده علي بن عاصم الواسطي وقد تكلم فيه جماعة وعطاء بن السائب وفيه مقال‏.‏

ـ وفي الباب ـ أيضًا عن رجل من الصحابة وسيأتي وقد اختلف في الشهيد إذا كان جنبًا أو حائضًا وسيأتي الكلام على ذلك وأما سائر من يطلق عليه اسم الشهيد كالطعين والمبطون والنفساء ونحوهم فيغسلون إجماعًا كما في البحر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولم يصل عليهم‏)‏ قال في التلخيص‏:‏ هو بفتح اللام وعليه المعنى قال النووي‏:‏ ويجوز أن يكون بكسرها ولا يفسد لكنه لا يبقى فيه دليل على ترك الصلاة عليهم مطلقا لأنه لا يلزم من قوله ‏(‏لم يصل عليهم أن لا يأمر غيره بالصلاة عليهم‏)‏ انتهى‏.‏ وسيأتي الكلام في الصلاة على الشهيد‏.‏

2- وروى محمد بن إسحاق في المغازي بإسناده عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد‏:‏ ‏(‏أن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم قال‏:‏ إن صاحبكم لتغسله الملائكة يعني حنظلة فسألوا أهله ما شأنه فسئلت صاحبته فقالت خرج وهو جنب حين سمع الهائعة فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم لذلك غسلته الملائكة‏)‏‏.‏

الحديث قال في الفتح‏:‏ قصته مشهورة رواها ابن إسحاق وغيره انتهى وأخرجه أيضًا ابن حبان في صحيحه والحاكم والبيهقي من حديث ابن الزبير والحاكم في الإكليل من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف والسرقسطي في غريبه من طريق الزهري مرسلًا والحاكم أيضًا في المستدرك والطبراني والبيهقي عن ابن عباس أيضًا وفي إسناد الحاكم معلى بن عبد الرحمن وهو متروك وفي إسناد الطبراني حجاج وهو مدلس وفي إسناد البيهقي أبو شيبة الواسطي وهو ضعيف جدًا‏.‏

ـ وفي الباب أيضًا ـ عن ابن عباس عند الطبراني بإسناد قال الحافظ‏:‏ لا بأس به عنه قال‏:‏ ‏(‏أصيب حمزة بن عبد المطلب وحنظلة بن الراهب وهما جنب فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ رأيت الملائكة تغسلهما‏)‏ وهو غريب في ذكر حمزة كما قال في الفتح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الهائعة‏)‏ هي الصوت الشديد‏.‏ وقد استدل بالحديث من قال إنه يغسل الشهيد إذا كان جنبًا وبه قال أبو حنيفة والمنصور باللَّه‏.‏ وقال الشافعي ومالك وأبو يوسف ومحمد وإليه ذهب الهادي والقاسم والمؤيد باللَّه وأبو طالب‏:‏ إنه لا يغسل لعموم الدليل وهو الحق لأنه لو كان واجبًا علينا ما اكتفى فيه بغسل الملائكة وفعلهم ليس من تكليفنا ولا أمرنا بالإقتداء بهم‏.‏

3- وعن أبي سلام عن رجل من أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم قال‏:‏ ‏(‏أغرنا على حي من جهينة فطلب رجل من المسلمين رجلًا منهم فضربه فأخطأه وأصاب نفسه فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ أخوكم يا معشر المسلمين فابتدره الناس فوجدوه قد مات فلفه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم بثيابه ودمائه وصلى عليه ودفنه فقالوا‏:‏ يا رسول اللَّه أشهيد هو قال‏:‏ نعم وأنا له شهيد‏)‏‏.‏

رواه أبو داود‏.‏

الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري وفي إسناده سلام بن أبي سلام وهو مجهول‏.‏ وقال أبو داود بعد إخراجه عن سلام المذكور وإنما هو عن زيد بن سلام عن جده أبي سلام انتهى‏.‏ وزيد ثقة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فلفه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم بثيابه ودمائه‏)‏ ظاهره أنه لم يغسله ولا أمر بغسله فيكون من أدلة القائلين بأن الشهيد لا يغسل كما تقدم وهو يدل على أن من قتل نفسه في المعركة خطأ حكمه حكم من قتله غيره في ترك الغسل وأما من قتل نفسه عمدًا فإنه لا يغسل عند العترة والأوزاعي لفسقه لا لكونه شهيدًا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وصلى عليه‏)‏ فيه إثبات الصلاة على الشهيد وسيأتي الكلام على ذلك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال نعم‏)‏ الخ فيه أن من قتل نفسه خطأ شهيد وقد أخرج مسلم والنسائي وأبو داود عن سلمة بن الأكوع قال‏:‏ ‏(‏لما كان يوم خيبر قاتل أخي قتالًا شديدًا فارتد عليه سيفه فقتله فقال أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم في ذلك وشكوا فيه رجل مات بسلاحه فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ مات جاهدًا مجاهدًا‏)‏ وفي رواية‏:‏ ‏(‏كذبوا مات جاهدًا مجاهدًا فله أجره مرتين‏)‏ هذا لفظ أبي داود‏.‏